إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

تونس: القدر يستجيب ...والقيد ينكسر

بقلم محمد الحافظ الغابد
 أخيرا هاهي تونس الخضراء تنتفض لتقتلع الاستبداد السياسي الذي أحالتها سيني قحطه الماحل صفراء بعد عقود من خنق الحريات والتغريب واضطهاد الأحرار من طرف ثلة قليلة أوصلتها المؤامرات الأجنبية لسدة الحكم في لحظة من تحولات هذا الزمن الدوار .
فقد دفعت هواجس الأوربيين في الضفة الأخرى للمتوسط بالرئيس الحالي.. للسلطة بعدما تأكدوا من أن الرئيس الهالك الذي تولى خلال حقبة الخمسينات سرقة الحركة الوطنية الاستقلالية.. لم يعد صالحا للبقاء فجاءوا بضابط من قوات وزارة الداخلية مصاب بانفصام في الشخصية وغير مؤهل لقيادة تحولات المجتمع التونسي العريق .. وليلتفوا مرة أخرى  في تحالف قذر مع المخابرات الإيطالية على سعي الشعب التونسي ونخبه الوطنية الإصلاحية وكفاحاته الحضارية الهادئة لبناء نظام ديمقراطي يتم فيه التداول على السلطة وتعيش البلاد رخاء الحرية والسعي للتقدم .. وما هي إلا أشهر قليلة حتى بدأ النظام الجديد يتغول ويفتح السجون والمعتقلات حتى أضحت البلاد سجنا كبيرا وقلعة متقدمة لفرض التغريب ومحو هوية الشعب التونسي المسلم المكافح تحت شعارات سخيفة تتحدث عن محاربة التطرف الإسلامي ...إلى آخر تلك المعزوفة الأسخف في التاريخ العربي المعاصر.
ومضت حقبة التسعينيات صعبة عض فيها الأحرار على جروحهم النازفة وقدموا نموذجا للصمود والمغالبة.. ورغم حجم الظلم الممارس تمكنت النخب الوطنية والإسلامية من ضبط النفس بعيدا عن منزلقات العنف الأعمى. واليوم ينكشف زيف الأكاذيب المختلقة والدعاية الإعلامية الجوفاء التي كثيرا ما تحدثت كذبا وزورا عن المعجزة الاقتصادية التي كانت أشبه ما تكون بالشعور بالشبع الكاذب فقد تغذت تلك الدعاية على مآسي الآخرين أكثر من أن تتأسس على أداء تنموي واقتصادي فاعل ومؤثر.
والحقيقة التي لاشك فيها أن التحسن الاقتصادي خلال مرحلة التسعينيات يرجع بالأساس لانعكاس الحصار الليبي والحرب في الجزائر إيجابا على سوق الخدمات وتوريد المقاولات الصغيرة في البلاد ولم يكن أبدا نتيجة تحسن في الإدارة والتنمية والنهوض الاقتصادي حسبما حرصت خطابات الدعاية الإعلامية للنظام أن تكرسه.
تلك حقيقة يعرفها المجتمع التونسي اليوم في سيدي بوزيد وبن قردان وارديف .. وكل الريف التونسي في بلد قال دارسوا الريف فيه إنه لم يعد ريفيا... أم أن تلك كانت تحليلات الحالمين والثمالى بالدعاية الغوغائية للنظام؟.

عاصمة التحضر العريق

غريب أمر "إفريقية= تونس " غريبة قصة..القيروان.. التي احتفلت قبل سنتين في زهو يتعالى على جراح الاستبداد والتغريب بألف وأربع مائة عام من العطاء الدعوي والثقافي للشمال الإفريقي وهي التي طالما مدت يدها غربا فحثت عمرانا حضاريا علما وحكمة وكأنها تقول في ذلك الاحتفال: "تنصري يا نخبة التغريب وارقصي مجونا وعقوقا لإرثي التاريخي ووظيفتي الرسالية.. فلن تكون جرائم العقود الأخيرة .. في المحصلة النهائية إلا كدمات متجاوزة ولن تغير في مجرى بحر رسالة الهداية الذي سخرتني له الأقدار الإلهية".
يخيل إلي عندما أجيل الخاطر في صفحات تونس المعطاء أنها ليست تونس التي في أروقتها تجول عبد الرحمن بن خلدون رائد فلسفة التاريخ بلا منازع.. وكأنها ليست تونس التي عرفت في العصر الحديث أولى علامات التحديث في العالم العربي مع بن أبي الضِّيَافْ في "عهد الأمان" الذي يُشكل أولى محاولات تحديث الفكر السياسي والحقوقي الملائم للنموذج الحضاري العربي الإسلامي بخصوصياته الدينية والثقافية.
كما خيل إلي أنها ليست تونس.. تلك التي أضاعت إشراقات خير الدين التونسي الإصلاحية وفرطت في "التحرير والتنوير" وغلقت أبواب الزيتونة خوفا من أن يدمغ نور الحق باطل التغريب فيزهق روحه.. يظنون أن ذلك منجيهم من الناموس الكوني:"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق".
ولم ينقض عجب العديد من المراقبين إلى الآن من مطاردة الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وهي الإطار الحقوقي الشعبي الأعرق في العالم العربي المعاصر وكان من المفروض أن تظل تاجا يكلل دولة الحداثة والتمدن! المزعومة.. ولكن الجميع فهم سبب الإغلاق لأن الرابطة قامت بوظيفتها التي أنشئت من أجلها ولم ترض أن تكون أداة للدكتاتور الذي وقف قبل أسابيع ندمان أسفا على ما جنته سياساته الكنود معلنا قبوله إعادة فتح الرابطة في محاولة لترميم صورته المهترئة في الداخل والخارج وهو على ما يبدو لم يدرك أن مصير اتشاوشيسكو بانتظاره بعد أن تلفظه تونس الأبية هو وحثالة المافيا المحيطة به.
يفهم الكثيرون اليوم زيف طروحات مكافحة التطرف الإسلامي التي بررت بها المافيا التي جاءت عبر انقلاب عسكري 1987 وظلت تمارس الانقلابات العسكرية في ثوب مدني في ظل استمرار مسرحية ردئية الإخراج عبر التغييرات الدستورية المستمرة وقد فضحت تلك اللعبة زيف دولة التحديث كما فضحت اليوم ثورة البطون الجائعة مقولة المعجزة .. العاجزة!.
إن ساعة التحولات السياسية المؤثرة في تونس قد أزفت وأقبل أوانها الزاهي الذي يرجوا كثيرون أن يؤدي إلى هزات ارتدادية في المغرب العربي المكبل بسياسات الاستبداد السياسي المدعومة خارجيا والمكرسة عمليا بفقدان النخب الوطنية في هذه البلدان زمام المبادرة نتيجة فقدان أمل التغيير الضائع ...من النخب والميئوس منه جماهيريا بفعل فقدان وسائله المدنية فاعليتها ... غير أن الإنفجارات الجماهيرية تبقى حتمية اجتماعية خصوصا حينما تصل جرائم المافيا الحاكمة إلى التحكم في الآليات الغريزية للعيش وحماية الوجود.
إن قانون التدافع وسنن التغيير تعمل باستمرار في صمت ودون كلل وهي تمر مر السحاب ولا يستيقظ الطاغية إلا على نتيجة المصير النهائي التي كانت في يوم قريب محل سخريته وهزئه.
ذلك ما اختصره شاعر تونس أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة    فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي          ولا بد للقيد أن ي




هناك تعليق واحد:

ndb2010 يقول...

عنوان بقصيدة ،
لا فض قلمك